عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

153

اللباب في علوم الكتاب

هذه رواية الداني عنه ، وروى ابن جنّي « 1 » عنه نصب « اللّيل » ورفع « النّهار » . قال ابن عطيّة « 2 » : « ونقل ابن جنّي أثبت » وفيه نظر ، من حيث إنّ الدّاني أغنى من أبي الفتح بهذه الصّناعة ، وإن كان دونه في العلم بطبقات ، ويؤيد رواية الدّاني أيضا أنّها موافقة لقراءة العامّة من حيث المعنى ، وذلك أنّه جعل اللّيل فاعلا لفظا ومعنى ، والنّهار مفعولا لفظا ومعنى ، وفي قراءة الجماعة اللّيل فاعل معنى ، والنّهار مفعول لفظا ومعنى ، وذلك أنّ المفعولين في هذا الباب متى صلح أن يكون كلّ منهما فاعلا ومفعولا في المعنى ؛ وجب تقديم الفاعل معنى ؛ لئلا يلتبس نحو : « أعطيت زيدا عمرا » فإن لم يلتبس نحو : « أعطيت زيدا درهما ، وكسوت عمرا جبّة » جاز ، وهذا كما في الفاعل والمفعول الصّريحين نحو « ضرب موسى عيسى » ، و « ضرب زيد عمرا » ، وهذه الآية الكريمة من باب « أعطيت زيدا عمرا » ؛ لأنّ كلّا من اللّيل والنّهار يصلح أن يكون غاشيا مغشيا ؛ فوجب جعل « اللّيل » في قراءة الجماعة هو الفاعل المعنوي ، و « النّهار » هو المفعول من غير عكس ، وقراءة الدّاني موافقة لهذه ؛ لأنّها المصرّحة بفاعليّة اللّيل ، وقراءة ابن جني مخالفة لها ، وموافقة الجماعة أولى . قال شهاب الدّين « 3 » : « وقد روى الزّمخشريّ « 4 » قراءة حميد كما رواها أبو الفتح فإنّه قال : « يغشّي » بالتّشديد ، أي : يلحق اللّيل بالنّهار ، والنّهار باللّيل ، يحتملهما جميعا » . والدّليل على الثاني قراءة حميد بن قيس « يغشى » بفتح الياء [ و ] نصب اللّيل ، ورفع النّهار . انتهى . وفيما قاله الزّمخشريّ نظر ؛ لما ذكرنا من أنّ الآية الكريمة ممّا يجب فيها تقديم الفاعل المعنوي ، وكأن أبا القاسم تبع أبا الفتح في ذلك ، ولم يلتفت إلى هذه القاعدة المذكورة سهوا . قوله : « يطلبه حثيثا » حال من الليل ؛ لأنّه هو المحدّث عنه أي : يغشي النّهار طالبا له ، ويجوز أن يكون من النهار أي مطلوبا وفي الجملة ذكر كلّ منهما . و « حثيثا » يحتمل أن يكون نعت مصدر محذوف أي : طلبا حثيثا وأن يكون حالا من فاعل « يطلبه » أي : حاثّا ، أو من مفعوله أي : محثوثا . والحثّ : الإعجال والسّرعة ، والحمل على فعل شيء كالحضّ عليه فالحثّ والحضّ أخوان ، يقال : حثثت فلانا فاحتثّ فهو حثيث ومحثوث . قال : [ المتقارب ]

--> ( 1 ) ينظر : المحتسب لابن جني 1 / 253 . ( 2 ) ينظر : المحرر الوجيز 2 / 409 . ( 3 ) ينظر : الدر المصون 3 / 281 . ( 4 ) ينظر : الكشاف 2 / 109 .